الخطيب الشربيني

450

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

يا لهف زيابة للحارث * الصابح فالغانم فالآيب أي : الذي صبح فغنم فآب ، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه كقولك : خذ الأفضل فالأكمل واعمل الأحسن فالأجمل ، وإما على ترتب موصوفاتها كقوله : « رحم الله المحلقين فالمقصرين » « 1 » ، والبيضاوي ذكر هذا حديثا قال شيخنا القاضي زكريا : لم أره بهذا اللفظ ا . ه ، لكنه لفضل المتقدم على المتأخر وهذا للعكس ، وقرأ أبو عمرو وحمزة بالإدغام فيما ذكر ، والباقون بالإظهار ؛ وجواب القسم . إِنَّ إِلهَكُمْ أي : الذي اتخذتم من دونه آلهة لَواحِدٌ إذ لو لم يكن واحدا لاختل هذا الاصطفاف والزجر والتلاوة وما يترتب عليها فكان غير حكيم ، فإن قيل : ذكر الحلف في هذا الموضع غير لائق وبيانه من وجهين : الأول : أن المقصود من هذا القسم إما إثبات هذا المطلوب عند المؤمن أو الكافر ، فالأول باطل ؛ لأن المؤمن مقرّ به من غير حلف . والثاني : باطل أيضا ؛ لأن الكافر لا يقرّ به سواء حصل الحلف أو لم يحصل فهذا الحلف عديم الفائدة على كل تقدير ، الثاني : أنه يقال أقسم في أول هذه السورة على أن الإله واحد وأقسم في أول سورة الذاريات على أن القيامة حق ، فقال : وَالذَّارِياتِ ذَرْواً [ الذاريات : 1 ] إلى قوله إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ ( 5 ) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ [ الذاريات : 5 - 6 ] وإثبات هذه المطالب العالية الشريفة على المخالفين من الدهرية وأمثالهم بالحلف لا يليق بالعقلاء ؟ أجيب : عن ذلك بأوجه : أولها : أنه تعالى قرر التوحيد وصحة البعث والقيامة في غالب السور بالدلائل اليقينية ، فلما تقدم ذكر تلك الدلائل لم يبعد تقريرها بذكر القسم تأكيدا لما تقدم لا سيما والقرآن أنزل بلغة العرب وإثبات المطالب بالحلف واليمين طريقة مألوفة عند العرب . ثانيها : أن المقصود من هذا الكلام الرد على عبدة الأصنام في قولهم بأنها آلهة فكأنه قيل : إن هذا المذهب قد بلغ في السقوط والركاكة إلى حيث يكفي في إبطاله مثل هذه الحجة . ثالثها : أنه تعالى لما أقسم بهذه الأشياء على صحة قوله تعالى : إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ [ الصافات : 4 ] عقبه بما هو الدليل اليقيني في كون الإله واحد ، وهو قوله تعالى : رَبُّ أي : موجد ومالك ومدبر السَّماواتِ أي : الأجرام العالية وَالْأَرْضِ أي : الأجرام السافلة وَما بَيْنَهُما أي : من الفضاء المشحون بما يعجز عن عده القوي ، وذلك ؛ لأنه تعالى بين في قوله تعالى : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] أن انتظام أحوال السماوات والأرض يدل على أن الإله واحد فههنا لما قال إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ أردفه بقوله رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما كأنه قيل : بينا أن النظر في انتظام هذا العالم يدل على أن الإله واحد فتأملوا ليحصل لكم العلم بالتوحيد .

--> - ص 504 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 147 ، وشرح شواهد المغني ص 465 ، ومعجم الشعراء ص 208 ، وبلا نسبة في الجنى الداني ص 65 ، وخزانة الأدب 11 / 5 ، ومغني اللبيب ص 163 ، وهمع الهوامع 2 / 119 . ( 1 ) أخرجه بنحوه مسلم في الحج حديث 1301 ، والترمذي في الحج حديث 913 ، وابن ماجة في المناسك حديث 3044 .